السبت، 13 يوليو، 2013

حياة شكسبير


حياة شكسبير

شِكْسْبِير، وِلْيَم (1564 - 1616م). يُعَدّ الشاعر والمسرحي الإنجليزي وليم شكسبير أشهر المسرحيين الذين عرفهم العالم.

يرجع الإقبال الشديد الذي قوبلت به أعمال شكسبير إلى أسباب عدة، أهمها فهم الكاتب للطبيعة البشرية. فقد فهم شكسبير طبيعة الإنسان بشكل متميز، لم يتح إلا لقلة من الكَُّتاب المسرحيين الآخرين، مما مكنه من رسم شخوص ذات معنى تعدى حدود الزمان والمكان اللذين جرت فيهما أحداث مسرحياته.

ألف شكسبير 37 مسرحية على الأقل، يكاد يتفق النقاد على تصنيفها في ثلاثة أنواع هي، الملهاة (الكوميديا)، والمأساة (التراجيديا)، والمسرحية التاريخية.


حياة شكسبير

وُلد وليم شكسبير لأبوين من الطبقة الوسطى في بلدة تجارية صغيرة تسمى ستراتفورد ـ أبون ـ آفون، وكان الثالث من بين ثمانية أطفال في عائلته. كانت عائلة شكسبير ذات مكانة مرموقة في المدينة، فقد اختير والده عضوًا في المجلس التشريعي للبلدة، وانتُخب بعد ثلاث سنوات رئيسًا للمجلس البلدي، وكان هذا أرفع المناصب التي يمكن أن يصل إليها شخص في البلدة. شغل والده بعد ذلك عدة مناصب مدنية في ستراتفورد، لكنه عانى من مشاكل مالية في نهاية حياته.

ومن المرجح أن وليم شكسبير قد دخل المدرسة في ستراتفورد، مع أقرانه من أبناء الطبقة الاجتماعية ذاتها. وكانت معرفة اللاتينية آنذاك إحدى الدلالات على دراية الإنسان وثقافته. من المحتمل أن يكون شكسبير قد قرأ باللاتينية كتابات المؤلفين الرومان المشهورين من أمثال شيشرون، وأوفيد، وبلوتوس، وسنيكا، وتيرنس، وفيرجيل.

زواجه. تزوج شكسبير من آن هاثاواي في نوفمبر عام 1582م ، وربما كانت زوجته ابنة مزارع من قرية شوتري التي تبعد نحو1,5كم عن ستراتفورد. وكان شكسبير حينذاك في الثامنة عشرة من عمره، بينما كانت زوجته في السادسة والعشرين. وولدت طفلتهما الأولى سوزانا في شهر مايو عام 1583م.

عمله في الفرقة المسرحية. لايعرف الباحثون إلى أية فرقة أو فريق انضم شكسبير قبل عام 1594م. غير أنه من المؤكد أن شكسبير كان مساهماً في فرقة تدعى رجال اللورد تشامبرلين عام 1594م حسبما تُُبَيِِّّن وثيقة قيد مالي تفيد بأنه دفع لشكسبير وزملائه الممثلين في الفرقة مقابل عروضهم في بلاط الملكة إليزابيث. بقي شكسبير حتى نهاية حياته المسرحية عضواً بارزاً في هذه الفرقة؛ التي كانت من أشهر الفرق المسرحية في لندن0 وبحلول عام 1594م كانت ست مسرحيات شكسبيرية قد عرضت بلندن.

قصائده الأولى. أنجز شكسبير قصيدته الطويلة فينوس وأدونيس عام 1593م، وطبعها له ريتشارد فيلد.

وفي العام التالي قام فيلد بطباعة قصيدة شكسبير الثانية بعنوان اغتصاب لوكريس وقام الشاعر بإهدائها إلى إيرل ساوثمبتون. طُبعت كلتا القصيدتين مرات عديدة في عهد شكسبير، لكن النجاح الذي أحرزتاه لم يُغْرِ الكاتب بالتخلي عن الكتابة المسرحية، بل عاد إلى كتابة المسرح ثانية بعد إعادة فتح المسارح عام 1594م، وكان شكسبير بحق من بين الكتاب القلائل في العصر الإليزابيثي الذين امتهنوا الكتابة المسرحية دون سواها.



سنوات الشهرة. كان شكسبير منهمكًا تمامًا في عالم المسرح في لندن في الفترة ما بين 1594 و1608م؛ إذ كان يكتب لفرقته رجال اللورد تشامبرلين مسرحيتين في العام، إضافة إلى قيامه بمهامه ممثلاً ومساهمًا في الفرقة. وعُدّ شكسبير إبّان تلك الفترة أشهر كتّاب المسرح في لندن استنادًا إلى عدد المرات التي عُرِضَت فيها مسرحياته أو نشرت. واعتمدت شهرة شكسبير في تلك الحقبة على شعبيته بوصفه كاتبًا مسرحيًا أكثر من كونه كاتبًا عبقريًا ليس له مثيل.

أصبح شكسبير مشهوراً بحلول نهاية تسعينيات القرن السادس عشر الميلادي، في وقت لم يكن قدكتب فيه معظم مأساوياته العملاقة من أمثال هاملت؛ عطيل؛ الملك لير؛ ماكبث. وبحلول نهاية القرن السادس عشر الميلادي، أصبح شكسبير رجل أعمال ثريًا إضافة إلى كونه كاتبًا مرموقًا. ففي عام 1597م، اشترى أحد أكبر بيتين في ستراتفورد، كان يطلق عليه اسم المكان الجديد. ومن الواضح أن شكسبير ظل شديد الولاء لستراتفورد بالرغم من حياته الناجحة والنشطة في لندن. وتدل وثائق المعاملات التجارية والقرارات القضائية على أن شكسبير استثمر معظم أمواله في ستراتفورد لا في لندن.



مسرح جلوب. تملّك شكسبير، وستة من رفاقه عام 1599م، مسرح جلوب، وهو مسرح مفتوح يقع في ساوثوارك، إحدى ضواحي لندن، ويُعد من أكبر مسارح منطقة لندن، إذ يتسع لثلاثة آلاف متفرج. وفي العام نفسه، قام الناشر وليم جاجارد بنشر مجموعة الرحالة، وهي كتاب يضم عشرين قصيدة يُفترض أنها من تأليف شكسبير. لكن الكتاب لا يحتوي إلا على اثنتين من سونيتات شكسبير (وهي قصائد مكونة من أربعة عشر بيتًا)، وثلاث قصائد من ملهاته خاب مسعى الحب. أبرز الناشر اسم شكسبير على صفحة الغلاف ليروج الكتاب، مما يدل على شهرة الكاتب في تلك الفترة.

فرقة رجال الملك. في سنة 1603م، أصدر الملك جيمس الأول مرسومًا ملكيًا يسمح لشكسبير ورفاقه بتسمية فرقتهم فرقة رجال الملك. ومقابل هذه المنحة قدمت الفرقة العروض بشكل شبه منتظم في البلاط، للترويح عن الملك.

حققت فرقة رجال الملك نجاحًا منقطع النظير، وصارت الفرقة المسرحية الأولى في لندن. ففي عام 1608م، استأجرت الفرقة لمدة واحد وعشرين عامًا مسرح بلاك فرايرز، الذي يقع في منطقة مأهولة بالسكان تعرف بالاسم ذاته أيضًا. كان هذا المسرح مزودًّا بإضاءة شديدة وبالتدفئة أيضًا. استعملت الفرقة هذا المسرح لتقديم عروضها في الشتاء، بينما كانت تقدم عروضها الصيفية في مسرح جلوب.

كانت الفترة بين عامي 1599 و 1608م فترة نشاط أدبي استثنائي بالنسبة لشكسبير. فكتب العديد من المسرحيات (الكوميدية)، ومعظم المسرحيات التراجيدية التي كانت مدعاة لشهرته. تتضمن قائمة الروائع التي كتبها في تلك الفترة مسرحيتي ضجة حول لا شيء؛ الليلة الثانية عشرة؛ والمسرحية التاريخية هنري الخامس؛ مأساة أنطوني وكليوباترا؛ هاملت؛ يوليوس قيصر؛ الملك لير؛ ماكبث؛ عطيل.

السوناتات. قام ناشر من لندن يدعى توماس ثورب بنشر كتاب بعنوان سوناتة شكسبير عام 1609م، يحتوي الكتاب على ما يربو على مائة وخمسين قصيدة كان شكسبير قد كتبها خلال حياته، ومازال الدارسون في حيرة من أمرهم إزاء الإهداء الذي قدّم ثورب به الكتاب، والذي يقول: "إلى منشئ السوناتات الوحيد السيد و.هـ". لقد فشل الباحثون على مرّ الأجيال في تحديد هوية السيد و.هـ . وحلل النقاد السوناتات لدراسة إمكان الجزم بمدى ارتباطها بالسيرة الذاتية، بينما اقترح كثير من النقاد على القراء الاستمتاع بهذه القصائد كمقطوعات من أروع ما كُتب في الأدب الإنجليزي بدلاً من التدقيق فيها باعتبارها تنم عن حياة الكاتب.

[align=center:ca3ad80c56]السنوات الأخيرة من حياة شكسبير[/align:ca3ad80c56]

كتب شكسبير خلال السنوات الثماني الأخيرة من حياته أربع مسرحيات فقط هي: سيمبلين؛ هنري الثامن؛ العاصفة؛ حكاية الشتاء. اعتقد النقاد في الماضي أن مسرحية العاصفة التي كتبها شكسبير عام 1610م هي آخر أعماله الأدبية، وكتبوا أنه تقاعد في ستراتفورد بعد ذلك بشكل شبه كلي. لكنه يرجح أن تاريخ مسرحية هنري الثامن يعود إلى عام 1613م، إضافة إلى أن شكسبير اشترى بيتًا في منطقة بلاك فرايرز في العام نفسه، مما يدل على أن شكسبير لم ينه نشاطه في لندن فجأة، بل قام بذلك تدريجيًا.

ولابد أن شكسبير كان قد قسم وقته بين حياته الخاصة في ستراتفورد وبين حياته العامة في لندن. فكان له بيوت في لندن حتى عام 1604م ، وربما حتى عام 1611م، لكن بعض الأحداث العائلية، مثل زواج ابنته سوزانا عام 1607م، ووفاة والدته عام 1608م، قد استدعت عودته إلى ستراتفورد. ومن المرجَّح أنه كان يقضي معظم وقته بعد عام 1612م، متنعمًا برفاهية بيته في ستراتفورد. مات شكسبير ، ودفن داخل كنيسة أبرشية ستراتفورد.

توفي ابنه هامنت عام 1596م، وهو في الحادية عشرة من عمره، أما ابنته سوزانا، فكانت لها طفلة واحدة اسمها إليزابيث. ولم تنجب الأخيرة أطفالاً، في حين أنجبت جوديث (ابنة شكسبير)، ثلاثة أطفال ،توفوا قبل موتها هي. أما حفيدة شكسبير الوحيدة التي عاشت من ذريته، فقد تُوفيت عام 1670م.

[align=center:ca3ad80c56]معارضو الستراتفوردية[/align:ca3ad80c56]

اختلطت الحقائق عن حياة شكسبير على مر السنين بحكايات عدَّة ، أساسها الشائعات والأساطير. وافتتن الناس بشكسبير في القرن التاسع عشر الميلادي، بشكل خاص، مما أدى إلى وجود توجهات خارجة على المعقول نحو الكاتب وكتاباته، ترفعه إلى رتبة تصل إلى التقديس. فقد أُعجِب بعض الناس بأعماله، لدرجة أنهم رفضوا أن يصدقوا أن كاتبًا من ستراتفورد ـ أبون ـ آفون قد كتب هذه الأعمال.

وقد رشح هؤلاء المتشككون الذين يُدعون معارضي الستراتفوردية، عددًا من معاصري شكسبير من الكتّاب، على أنهم مؤلفو هذه الأعمال. ويطلق على هؤلاء المرشحين أحياناً اسم المدّعين. وينتمي جميع هؤلاء المرشحين ليكونوا كتاب المسرحيات الشكسبيرية للطبقة العليا والنبلاء، إذ يعتقد المعارضون أنه لابد أن يكون كاتب تلك الأعمال شخصًا مثل فرانسيس بيكون أو إدوارد دي فير أو وولتر رالي وربما وليم ستانلي وكلهم من نسب رفيع لكي يتمكن من كتابتها. وبالرغم من كل هذه الادعاءات فليس من بين دارسي شكسبير من يساوره شك في أن شكسبير هو من ألّف مسرحياته وأشعاره.

[align=center:ca3ad80c56]إنجلترا في عصر شكسبير[/align:ca3ad80c56]

تعكس أعمال شكسبير الأحوال الثقافية والاجتماعية والسياسية في العهد الإليزابيثي، والدراية بهذه الظروف تعين القارئ على فهمٍ أفضل لتلك المسرحيات والأشعار. فعلى سبيل المثال، آمن معظم الناس في العصر الإليزابيثي بالأشباح والساحرات والسحرة، وليس ثمة دليل على أن شكسبير قد آمن بمثل هذه المعتقدات بالرغم من أنه استخدمها بصورة فعّالة في أعماله. فتقوم الأشباح بدور مهم في مسرحيات هاملت؛ يوليوس قيصر؛ ريتشارد الثالث؛ ماكبث. وينفرد الساحر بروسبيرو بدور البطل في مسرحية العاصفة.

المجتمع الإليزابيثي. عندما بدأ شكسبير كتابة مسرحياته في أواخر القرن السادس عشر الميلادي، كان الإنجليز يميلون إلى التفاؤل. ففي عام 1588م حققت البحرية الإنجليزية نصرًا عظيمًا على الأسطول الأسباني، الذي كان يدعى الأرمادا، عندما حاول هزيمة إنجلترا، وكان من شأن هذا النصر أن أعطى إنجلترا منعة ، وأثار في شعبها مشاعر وطنية قوية. غير أن غمرة التفاؤل التي ازدهرت آنذاك سرعان ما تلاشت إثر موت الملكة إليزابيث عام 1603م، إذ وجد الإنجليز أنفسهم في مواجهة مشاكل اجتماعية واقتصادية جمّة. ومما زاد الوضع تعقيدًا اندلاع حروب ثانوية لا هدف لها مع دول أخرى. وهكذا بدا العالم لكثير من الإنجليز متدهورًا ومنهارًا.

تعكس أعمال شكسبير هذا التحول من التفاؤل إلى التشاؤم الذي انتاب المجتمع الإليزابيثي، إذ تزخر بواكير أعماله المسرحية بحيوية ومرح غامرين مقارنةً بكتاباته اللاحقة. فمنذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي اتسمت أعمال شكسببير بالارتباك والاكتئاب والقسوة؛ وماشابه ذلك من المشاعر الاجتماعية التي سادت إبّان تلك المرحلة.

وكتب شكسبير أروع تراجيدياته في تلك الفترة، ولم تَخْل مسرحياته الكوميدية من أمثال: خير كل ما ينتهي بخير التي كتبها آنذاك من مشاعر المرارة التي تخلو منها مسرحياته الكوميدية السابقة.

وبالرغم من شيوع القسوة لدى الإليزابيثيين، فإنهم كانوا شديدي الحساسية للجمال والعطف. فقد أحبوا الكثير من ألوان الأدب، من أمثال المسرحية الشعرية، والشعر الغنائي والقصصي، و فني القصة والمقالة. واستمتع السكان من كافة الطبقات بالموسيقى ،حتى أن مؤلفي الموسيقى من الإنجليز كانوا يجارون أفضل المؤلفين الموسيقيين الأوروبيين. لقد كانت الموسيقى والغناء والرقص على درجة من الأهمية في المسرحية الإليزابيثية، حتى إن بعض مسرحيات شكسبير الرومانسية يمكن أن تسمّى الكوميديا الموسيقية، إذ تحتوي مسرحية الليلة الثانية عشرة، على سبيل المثال، على ألحان سيرينيد وأغان صاخبة، ومقطوعات أخرى تتراوح بين الأغاني الحزينة و الهزلية. كما تشكِّل الرقصات جزءًا أساسيًا من أحداث مسرحيات العاصفة؛ حكاية الشتاء؛ روميو وجولييت.

الحاكم الإنجليزي. تعالج مسرحيات شكسبير التاريخية العشر قصص ملوك بريطانيا ونبلائها. وتتضمن تسع منها أحداثًا تاريخية تعود إلى الفترة بين عام 1398م وأربعينيات القرن السادس عشر الميلادي. إن معرفة هذه الأحداث ، وإدراك مشاعر الإليزابيثيين تجاه مليكتهم، يعين مرتادي المسارح وقراء المسرحيةعلى فهم مسرحيات شكسبير التاريخية.

أدت الصراعات الدينية والسياسية العنيفة التي استفحلت خلال الأعوام التي سبقت تتويج إليزابيث الأولى إلى اهتزاز العرش البريطاني. فخلال الفترة منذ عام 1455م إلى عام 1485م، مزّقت سلسلة من الحروب المريرة أوصال إنجلترا. دارت تلك الحروب بسبب سعي كل من عائلتي آل لانكستر وآل يورك للاستيلاء على العرش. وسميت تلك الحرب حرب الوردتين، لأنه يقال إن شعار عائلة لانكستر كان وردة حمراء، بينما كان شعار عائلة يورك وردة بيضاء. انظر: حرب الوردتين. وعالج شكسبير هذه الحرب في أربع من مسرحياته التاريخية، هي على التوالي:هنري السادس الجزء الأول، والجزء الثاني، والجزء الثالث، وريتشارد الثالث.

اقتنع الإليزابيثيون بضرورة وجود حاكم قوي وعادل، لضمان الحفاظ على النظام الاجتماعي، وكان بإمكانهم فَهْم معالجة شكسبير لمسؤوليات الملك وامتيازاته على حد سواء عند مشاهدتهم مسرحياته التاريخية؛ حيث كان يمكنهم إدراك المخاطر التي يجلبها وجود ملك ضعيف في السلطة، مثل المخاطر التي وصفها شكسبير في ريتشارد الثاني. وكان من الممكن كذلك أن يتنبهوا إلى المخاطر التي يجلبها حاكم طاغية وغير عادل ،كتلك التي وصفها شكسبير في ريتشارد الثالث.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

The world of creativity